ابن كثير

499

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا : لم يرد منا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا تعجيل السير ، ومنهم من أدركته فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة ، فلم يعنف واحدا من الفريقين . وهذا على اختيار البخاري لهذا القول ، والجمهور على خلافه ، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء ، ووردت بها الأحاديث ، لم تكن مشروعة في غزوة الخندق ، وإنما شرعت بعد ذلك ، وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره ، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك ، لأن هذا حال نادر خاص ، فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تستر وقد اشتهر ولم ينكر ، وللّه أعلم . وقوله فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي أقيموا صلاتكم كما أمرتم ، فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها ، كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أي مثل ما أنعم عليكم وهداكم وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة فقابلوه بالشكر والذكر ، كقوله بعد صلاة الخوف فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [ النساء : 103 ] وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [ النساء : 102 ] . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 240 إلى 242 ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240 ) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 ) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 242 ) قال الأكثرون : هذه الآية منسوخة بالتي قبلها ، وهي قوله يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً . قال البخاري : حدثنا أمية حدثنا يزيد بن زريع ، عن حبيب ، عن ابن أبي ملكية ، قال ابن الزبير : قلت لعثمان بن عفان وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً قد نسختها الآية الأخرى ، فلم تكتبها أو تدعها ، قال يا ابن أخي ، لا أغير شيئا منه من مكانه . ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان : إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها ، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها ؟ فأجابه أمير المؤمنين ، بأن هذا أمر توقيفي ، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها ، فأثبتها حيث وجدتها . قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها